أنصار الله الحوثيين: لا نتلقى أوامر من إيران والسعودية هي من اختارت توقيت المواجهة
حوار مع محمد الفرح عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن حول الحرب الدائرة
To read this interview in English, press here.
أغلقنا باب المندب دعماً لغزة ولم نغلقه رداً على العدوان على إيران
الخلاف بين السعودية والإمارات هو تنافس على من ينفذ الإملاءات والتوجيهات الأمريكية أكثر من الآخر.
السعودية تحاصرنا منذ ١٢ عام، ومطالبنا هي رفع الحصار عن صنعاء وليس طهران.
نثمن عدم انخراط مصر في الحرب على اليمن، وتوازن موقفها ونرحب بأي دور دبلوماسي وسياسي تتخذه يساهم في إنهاء الحرب ورفع الحصار ورعاية حوار سياسي يمني جامع.
تزايدت خلال الأيام الماضية حدة المواجهات بين جماعة أنصار الله اليمنية (الحوثيون) من جهة والمملكة العربية السعودية وحلفاؤها اليمنيين من جهة أخرى، وقد شهدت هذه المواجهات ضربات متبادلة شملت المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والتحشيدات العسكرية وغيرها، وهو ما يفتح الباب واسعاً عن توقيت وتفاصيل هذه المواجهة.
وهو ما دفعنا لعقد هذا الحوار مع محمد الفرح عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله (الحوثيون) في اليمن.
وبينما كانت الأخبار تتوالى ومشاهد التفجيرات تأتي من ميناء المخا كان سؤالنا عن توقيت هذه المواجهات وهو ما أجاب عليه قائلاً:
السعودية هي التي اختارت هذا التوقيت، وهي التي باشرت التصعيد بقصف صنعاء عند عودة طائرة مدنية محملة بالجرحى والمرضى والمعالجين والوفد الذي ذهب للمشاركة في مراسم تشييع الإمام الخامنئي في إيران. لقد قصفت مطار صنعاء وعرّضت حياة أكثر من 200 شخص على متن تلك الطائرة للخطر، وتدخلت بصورة مباشرة في شأن يمني لا علاقة لها به.
كما أنها باشرت مسار التصعيد بقصف ميناء الحديدة، وهي التي تماطل وترفض منذ سنوات الاستجابة للاستحقاقات الإنسانية.
وأعتقد أننا تأخرنا في الرد إلى هذا الوقت، رغم وجود أسباب مبررة لهذا التأخير، وفي مقدمتها أننا أعطينا الأولوية لإسناد غزة، وكنا نعيش مرحلة خفض التصعيد. انتظرنا خلالها نحو أربع سنوات أي مبادرات سلام حقيقية من السعودية، لكن لم تصدر مبادرة جادة تعالج ملفات الأسرى، ولا ملف العملة، ولا تدهور الوضع الاقتصادي، ولا آثار الحرب والدمار، ولا فتح المطارات والموانئ.
لدينا آلاف الأسرى في السجون السعودية، كما أن نقل البنك المركزي من صنعاء أدى إلى آثار اقتصادية كبيرة، فضلًا عن الدمار الهائل الذي لحق بمنازل اليمنيين ومدنهم وقراهم ومتاجرهم، ومصانعهم، ومعايشهم، وأرزاقهم.
أما ثرواتنا الوطنية، فالشعب اليمني محروم من الاستفادة منها؛ فنحن نعاني أزمة كهرباء خانقة، بينما محطه الكهرباء الغازية في مأرب على بعد 100 كيلو من صنعاء لكن السعودية لا تريد ان نستفيد من ذلك وان نعيش في الظلام، يعيش شعبنا الفقر والبؤس لدرجه ان بعض الاسر تكتفي بوجبه واحده في حين تُنهب الثروة النفطية وتذهب عائداتها الى البنك الاهلي السعودي.
لذلك، كان قرارنا وطنيًا خالصًا. ومطالبنا كانت وما زالت يمنية خالصة، وقرارنا مستقل، ويلبي حاجة وطنية وضرورة ماسة، فاستقلال القرار بالنسبة لنا شيء مقدس، ولا يمكن أن يخضع لإملاءات أو توجيهات خارجية.
نشر موقع انتلجنس اون لاين الاستخباراتي تقريراً حول انتشار الاسلحة الاماراتية في مناطق سيطرة انصار الله ،كما يشير البعض إلى أن توقيت المواجهة مع السعودية ربما تكون برضا اماراتي تزامنا مع الازمة بين الرياض وأبوظبي، وقد كشف العميد عبد الغني الزبيدي، أحد الضباط اليمنيين المتقاعدين، سابقاً، عن رفض أنصار الله طلب اماراتي بضرب مدينة “نيوم” السعودية، بتمويل اماراتي بلغ قرابة نصف مليار دولار، فكيف ينظر أنصار الله إلى هذه العلاقات المتشابكة بين الرياض وأبوظبي وكيف تقوم الحركة بموازنة هذه العلاقة وهذا الوضع؟
نحن نرى أن الخلاف السعودي الإماراتي هو في جوهره صراع على مصالح ضيقة ومحاولة لتقاسم النفوذ في الجغرافيا اليمنية، ويتجلى في التنافس على السيطرة على المحافظات النفطية الجنوبية والشرقية، والسعي للتحكم بالموانئ والمنافذ البحرية والممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب.
وهناك تنافس على من ينفذ الإملاءات والتوجيهات الأمريكية أكثر من الآخر.
بينما ينطلق قرار المواجهة الميدانية والعسكرية لدى صنعاء من قاعدة سيادية وطنية ثابتة، وهي الدفاع عن الأراضي اليمنية وسيادة واستقلال اليمن، وكسر الحصار المفروض على الموانئ والمطارات، واستعادة الثروات الوطنية ودفع مرتبات الموظفين التي انقطعت لأكثر من 12 عامًا، وإخراج القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية.
وباعتقادي، هذه مطالب وطنية خالصة ومشروعة ومحقة وعادلة، ولا يمتلك أحد في العالم حق مصادرتها، ولا يمتلك مشروعية قانونية أو أخلاقية في ذلك.
هذا القرار، وغيره من القرارات التي تتخذها صنعاء في أي مرحلة من مراحل الصراع، لم يكن خاضعًا لإملاءات خارجية، ولا لتقلبات أجندات المحاور الإقليمية أو الصراعات البينية بين أطراف التحالف السعودي والإماراتي.
تعلن حركة أنصار الله أن عملياتها ضد السعودية تهدف إلى رفع الحصار عن الحركة والمدن اليمنية، بينما يدعي آخرون أن الحصار غير موجود، وأن الحركة تواصل عمليات التسليح عبر طرق سرية من إيران. فكيف يمكن وصف هذا الحصار؟ وكيف تردون على مسألة تهريب السلاح الإيراني؟
إن ادعاء عدم وجود حصار على اليمن هو إنكار للحقائق وتنصل صريح من واقع موثق بالتقارير الأممية والدولية وبشواهد لا تخفى على أحد.
الحصار المفروض على اليمن ليس مجرد إجراء احترازي أو تفتيش روتيني، بل هو حصار شامل وهيكلي استُخدم أداة للعقاب الجماعي وسلاحًا في الحرب ضد أكثر من 30 مليون يمني.
أرادت السعودية من خلال هذا الحصار تركيع الشعب اليمني وتعويض فشلها الميداني والعسكري، عبر إفقار المجتمع ودفعه إلى حافة الانهيار، بما يسهل عليها الاستقطاب والتجنيد ومحاولة تفجير الوضع الداخلي.
ويترافق ذلك مع حملات إعلامية تحاول تقديم الأمر على أن أنصار الله هم الذين يحاصرون الشعب اليمني بمعنى آخر يحاصرون أنفسهم، وهو طرح غير منطقي ولا يستقيم مع الواقع.
وهذا الحصار له أشكال متعددة.
أولًا: الحظر المالي والمصرفي. فقد أدى قرار نقل وظائف البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن في سبتمبر 2016 إلى قطع المرتبات عن أكثر من 1,200,000 موظف مدني في القطاع العام، وأحدث اضطرابًا وشللًا واسعًا في القطاع المصرفي والتجاري، وأسهم في ارتفاع معدلات الفقر.
ثانيًا: القيود على الموانئ البحرية، وفي مقدمتها ميناء الحديدة، الذي يمثل الشريان الأساسي لدخول المواد الغذائية والطبية والمشتقات النفطية إلى المناطق التي يعيش فيها الجزء الأكبر من سكان اليمن. ويخضع الميناء لإجراءات تفتيش تؤدي إلى تأخير السفن التجارية والنفطية لأسابيع وأحيانًا لفترات أطول، الأمر الذي يرفع تكاليف الشحن والغرامات، أو ما يسمى بالديمرج، ويتحمل المواطن اليمني في النهاية هذه الكلفة الباهظة التي تصل الى 400% تضاف في اسعار السلع.
ثالثًا: الحصار المفروض على مطار صنعاء الدولي، الذي أُغلق أمام الرحلات المدنية والتجارية لسنوات، ثم سُمح خلال مرحلة خفض التصعيد برحلات محدودة جدًا إلى وجهة معينة هي الاردن، مع استمرار القيود على حركة المسافرين والمرضى والطلاب ورجال الأعمال.
وقد ترتب على ذلك خسائر إنسانية كبيرة، خصوصًا بالنسبة للمرضى الذين يحتاجون إلى السفر للعلاج من أمراض خطيرة، كالسرطان والفشل الكلوي وغيرها، وصلت الضحايا إلى الآلاف وفق إحصائيات موثقة وأممية.
أما فيما يتعلق بتهريب السلاح الإيراني، فنحن نرى أن هذه المسألة مجرد دعاية سعودية سخيفة لتبرير الفشل وتبرير العقاب الجماعي، واستخدمت لتبرير إغلاق الموانئ والشواطئ والمطارات اليمنية.
صنعاء اليوم تمتلك كوادر هندسية وعسكرية تمكنت، تحت ضغط الحرب والحصار، من تطوير وإعادة بناء المنظومات الصاروخية والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية، والعمل على تطويرها في مصانع وورش محلية وبخبرات يمنية. وهذا التطور ظهر بوضوح في مسار المواجهات العسكرية خلال السنوات الماضية، سواء مع السعودية او مع اسرائيل او مع الولايات المتحدة الأمريكية.
تتهم السعودية حركة أنصار الله بأنها تنفذ أجندة إيرانية لضرب المملكة وإضعافها. فما هو رد الحركة؟ وهل يمكن لأنصار الله إدارة حوار وتدشين علاقة مع السعودية بعيدًا عن حسابات إيران؟
نؤكد أن القرار السياسي والعسكري اليمني قرار سيادي ومستقل، ينطلق من المصلحة الوطنية العليا لليمن، ولا يخضع لأي وصاية أو حسابات خارج مصلحة الشعب اليمني، وإذا كانت متأكدة من كلامها، فلماذا لا تواجه إيران وهي تضربها في هرمز وتضرب القواعد الأمريكية داخل الجغرافيا السعودية، ثم تذهب لتختلق معارك في اليمن ضد الفرس حسب قولها وكأنها تخوض معركة القادسية؟
اما ما يتعلق بالعلاقة مع إيران، فهي علاقة معلنة وليست سرية، وتأتي في إطار تحالف ندّي. وتحالفنا مع محور الجهاد والمقاومة، بما في ذلك إيران، يرتكز على تقاطع الرؤى والمواقف المبدئية في مواجهة الهيمنة الأمريكية والمشاريع الصهيونية في المنطقة، والدفاع عن القضية الفلسطينية.
لكن هذا التقاطع السياسي والمبدئي لا يعني التبعية، ولا يعني رهن القرار الوطني لأي طرف آخر. استقلالنا وسيادتنا واستقلال قرارنا أمور مقدسة بالنسبة لنا ولا نساوم عليها.
ونحن نتشرف بهذه العلاقة، ونحث الآخرين على أن تكون علاقاتهم بمحيطهم العربي والإسلامي قائمة على التحرر من الهيمنة الأمريكية ومواجهة المشاريع الصهيونية في المنطقة، باعتبارها خطرًا وجوديًا يتهدد شعوب المنطقة.
ثم إن علاقة اليمن بأي طرف لا تبرر للسعودية أن تستبيح الأراضي اليمنية أو أن تقتل اليمنيين أو تحتل بلدهم. فالسعودية نفسها تقيم علاقات وتحالفات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وباكستان وتركيا وغيرها، فلماذا تكون علاقات الآخرين محرمة بينما علاقاتها وتحالفاتها مشروعة؟
مطالبنا كانت واضحة ووطنية. عندما طالبنا بفتح المطارات، طالبنا بفتح مطار صنعاء، ولم نطالب بفتح مطار مهر آباد أو مطارات طهران. وعندما طالبنا بفتح الموانئ اليمنية، لم نطالب بفتح الموانئ الإيرانية.
طالبنا بإطلاق أسرانا المحتجزين في السجون السعودية، ولم نطالب بإطلاق أسرى إيرانيين. وطالبنا بإطلاق ثرواتنا الوطنية، ولم نطالب بإطلاق الثروات الإيرانية.
وضرباتنا للسعودية لم تكن دفاعًا عن الملف النووي الإيراني أو عن أزماتها الإقليمية، وإنما جاءت ردًا على الغارات الجوية التي استهدفت اليمن، وعلى قصف مطار صنعاء وميناء الحديدة، وبهدف رفع الحصار ووقف التدخل العسكري وانتهاك السيادة اليمنية.
أما المفاوضات المباشرة مع الرياض، فهي دليل واضح على قدرة صنعاء واستقلاليتها في إدارة ملفاتها السياسية. فقد استقبلنا وفودًا سعودية رسمية برئاسة السفير محمد آل جابر في صنعاء عام 2023، وخضنا جولات مباشرة من المفاوضات في مسقط وصنعاء والرياض، بوساطة عُمانية، ودون حضور أو مشاركة أي طرف إيراني أو غيره.
لكن السعودية، عرقلت تنفيذ استحقاقات السلام وماطلت فيها، واستغلت مرحلة خفض التصعيد لترتيب أوضاعها العسكرية والسياسية، ومضاعفة القيود المفروضة على اليمن.
لم يُحسم ملف الأسرى، ولم تُعالج الملفات الإنسانية، ولم تبدأ عملية إعادة الإعمار، ولم تُدفع المرتبات من عائدات الثروات النفطية، التي ظلت خارج سيطرة الشعب اليمني.
وبعد أن قادت التحالف في تدمير اليمن وحصاره ل 12 عام، حاولت السعودية أن تظهر في موقع الوسيط حتى لا تتحمل استحقاقات ومسؤوليات ما جرى، وتدفع بوكلائها المحليين تحت عنوان “الشرعية” و”الحكومة اليمنية”، رغم أن قرارهم ليس مستقلًا ولا يملكون حتى القدرة على حسم ملف أسير واحد.
لذلك، رأينا أن الهدف كان كسب الوقت وترتيب الأوراق، بينما كانت المؤشرات تتجه نحو خيار عسكري أكثر من توجهها نحو سلام حقيقي.
يرى معارضون لأنصار الله أنها تقفز على إرادة غالبية الشعب اليمني، وترفض الحوار معه، وتعمل وفق حسابات إيرانية وليس يمنية. ما هو رد الحركة؟ وما هو الحل الذي تطرحونه لمستقبل اليمن؟
هذا غير صحيح، وعلى العكس تمامًا، نحن لا نتحرك في أي خطوة إلا في إطار الإرادة الشعبية.
وعندما دخلنا في إسناد غزة، كان الشارع اليمني هو الذي يطالب بالمواجهة مع العدو الإسرائيلي وإسناد الشعب الفلسطيني المظلوم، وهذا الموقف لم يكن مفروضًا من الخارج.
ثم إن مطالبنا هي مطالب الشعب اليمني، وقد خرج في جمعة التحذير والنذير بالملايين (مظاهرات حاشدة خرجت في المدن اليمنية الشهر الماضي)، ووصل عدد الساحات إلى 1500 ساحة، جميعهم يفوضون القوات المسلحة في اتخاذ اللازم ويباركون عملياتها. وأعتقد بأن الشعب اليمني هو مصدر الشرعية، وليست الشرعية تفرض من الخارج كما هو حال المرتزقة الذين يعيشون في فنادق الرياض ويسمون أنفسهم الشرعية، وهم معينون من قبل الضباط السعوديين واللجنة الخاصة السعودية.
وليس صحيحًا أننا نرفض الحوار. فمنذ اليوم الأول لدخولنا صنعاء وقعنا اتفاق السلم والشراكة، وكنا في حوار كاد أن يفضي إلى اتفاق شامل برعاية الأمم المتحدة.
وبالإمكان العودة إلى تصريحات جمال بن عمر، المبعوث الأممي إلى اليمن آنذاك، الذي أكد في أكثر من مناسبة أن اليمنيين كانوا على وشك التوصل إلى اتفاق، وأن العدوان هو الذي عرقل ذلك المسار.
كما أطلقنا مبادرات متعددة، سواء في ملف الأسرى أو فتح الطرقات أو الملفات الإنسانية، لكنها قوبلت بالتعنت من الطرف الآخر.
والفرق بين الموقف الوطني والارتهان للخارج، فهو واضح. فما يسمى بالحكومة الشرعية يجتمعون في فنادق الرياض والقاهرة وإسطنبول ودبي، ولا تربطهم اي علاقه بالشعب ولا يشعرون بمعاناته مطلقا فقط يسترزقون باسم الشعب اليمني، وهم من استدعوا التحالف الأجنبي، وشاركوا في قصف المدن اليمنية وتقديم الإحداثيات، وفرضوا الحصار، وفرطوا بالسيادة الوطنية.
فمن هو الطرف الوطني ومن هو الطرف المرتبط بالخارج؟
ونحن نتحدى من يطرح هذه الاتهامات أن يقدم دليلًا على أن إيران قصفت اليمن أو فرضت حصارًا على ميناء يمني أو نشرت قواتها في اليمن. بينما تعرض اليمن خلال سنوات الحرب لقصف واسع من السعودية والإمارات وحلفائهما، وصل عدد الغارات بالطائرات فقط الى ما يقارب 300,000 غاره.
أما الزعم بأن إيران هي التي دمرت اليمن، فهو محاولة لتغيير المسؤولية عن الطرف الذي قاد الحرب وشن الغارات وفرض الحصار.
وبالنسبة لرؤيتنا لمستقبل اليمن، فهي تقوم على مسارات واضحة:
أولًا: إنهاء العدوان والحصار وخروج القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية.
ثانيًا: الدخول في حوار يمني ـ يمني يضم جميع المكونات والقوى الفاعلة في الساحة الوطنية، وفق إرادة داخلية ودون وصاية خارجية.
ثالثًا: بناء دولة مؤسسات وشراكة وطنية، تقوم على حكومة قائمة على الكفاءة وسيادة القانون، وتُدار فيها الثروات الوطنية من النفط والغاز والموانئ بشفافية، مع توزيع عادل للثروة وتكافؤ للفرص بين أبناء جميع المحافظات.
رابعًا: بناء جيش وطني قوي يحمي الحدود والسيادة والقرار الوطني، بعيدًا عن أي إملاءات خارجية.
هل ترون أن انتصار الجمهورية الإسلامية في إيران في المواجهة يمكن أن يكون فرصة لفرض إرادتها على اليمن أو السيطرة على مضيق باب المندب؟
أكدنا مرارًا وتكرارًا أن السيطرة على مضيق باب المندب وحماية المياه الإقليمية اليمنية حق سيادي يمني حتمي، ولا يُدار لحساب أي دولة أخرى، ولا يُوهب لأي طرف خارجي.
وباب المندب يقع ضمن المجال البحري المرتبط بالسيادة والمصالح اليمنية، ونحن نرفض استخدام الجغرافيا اليمنية كورقة للمساومة في المزاد السياسي الإقليمي والدولي.
وخيارات العمل العسكري والأمني في هذا الممر المائي تتحدد وفق متطلبات المصلحة الوطنية العليا لليمن وقضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وكما أسلفت، لا وجود لإرادة إيرانية تفرض نفسها على اليمن. نحن بلد مستقل ونعتز باستقلالنا، ولا نتلقى أوامر من أي دولة أخرى. وعلاقتنا بإيران أو بغيرها تقوم على تقاطع الرؤى والمواقف السياسية، وفي مقدمتها مواجهة المشروع الإسرائيلي ومشاريع الهيمنة الأمريكية في المنطقة، باعتبارها أخطارًا تتهدد اليمن والمنطقة بأسرها.
ونحن نرى أن صمود إيران في مواجهة القوى الغربية يمثل عامل توازن يمكن أن يحد من سياسة الإملاءات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، ويفتح المجال أمام شعوب المنطقة، ومنها الشعب اليمني، لانتزاع قرارها المستقل.
لكن هذا لا يعني السماح بفرض وصاية بديلة. استقلال القرار الوطني اليمني خُضبت من أجله الدماء، ولا يمكن التفريط فيه.
وفي النهاية، نحن واقعيون وموضوعيون في نظرتنا إلى إيران وإلى دول المنطقة. لا نؤمن بأن إيران هي عدو الشعوب العربية والإسلامية؛ هذه، في نظرنا، سردية أمريكية إسرائيلية تُستخدم لصرف الأنظار عن العدو الحقيقي ومشاريع الهيمنة التي تهدد المنطقة.
وإذا أراد الآخرون فرض سردياتهم علينا دون أدلة أو وقائع، فلا يمكن أن نقبل بها، أياً كان مصدرها.
كان لافتًا أن تغلق الحركة المضيق مساندةً للمقاومة في غزة، لكنها لم تغلقه خلال العدوان على إيران. فما تفسير هذا التباين؟
هذا التباين الميداني يعكس بوضوح استقلالية القرار العسكري في صنعاء، إضافة إلى أننا كنا على تواصل مستمر مع مختلف الساحات ومع أطراف محور الجهاد والمقاومة.
وقد أعلنا أيضًا موقفنا بوضوح من أن أي استهداف لبلد عربي أو إسلامي عبر البحر الأحمر أمر لن نقبل به، وأننا سنتخذ موقفًا عسكريًا إذا استدعى الأمر ذلك.
أما المقارنة بين إسناد غزة وإسناد إيران، فهناك اختلافات واضحة.
إيران دولة قوية تمتلك أدوات الردع الذاتي، ومخزونًا كبيرًا من الصواريخ والقدرات العسكرية، وقادرة على الدفاع عن أراضيها بصورة مباشرة، وبالتالي فإن طبيعة المواجهة معها تختلف عن طبيعة ما يجري في غزة.
في غزة، هناك شعب يتعرض للقتل والحصار والتدمير، ومقاومة تواجه حربًا شاملة في ظل دعم أمريكي وغربي مفتوح للعدوان الإسرائيلي، ولذلك كان الموقف اليمني قائمًا على إسناد الشعب الفلسطيني والضغط لوقف العدوان ورفع الحصار.
أما إيران، فكانت تمتلك القدرة على خوض المواجهة المباشرة والدفاع عن أراضيها، دون الحاجة إلى أن يتولى طرف آخر المعركة نيابة عنها.
وكنا على تنسيق مستمر مع الإخوة في محور الجهاد والمقاومة، وأعلنا مرارًا أن يدنا على الزناد، وأننا جاهزون للانخراط في المعركة إذا استدعى الأمر ذلك.
وهذا بحد ذاته يؤكد أن صنعاء لا تتعامل مع السلاح والبحر كأدوات لتنفيذ أوامر من أي طرف، وإنما تتخذ قراراتها وفق أولويات واضحة، في مقدمتها القضية الفلسطينية والمصلحة الوطنية العليا لليمن.
ومن هنا، فإن عدم إغلاق باب المندب لمجرد تعرض إيران للعدوان يؤكد أن القرار العسكري في صنعاء ليس قرارًا آليًا تابعًا لطهران، وإنما قرار مستقل تحكمه حسابات ومحددات يمنية، وقومية، وأخلاقية، وسياسية.
هل تأمل الحركة في دور لجمهورية مصر العربية في الأزمة الحالية أو في المستقبل؟
تنظر القيادة السياسية في صنعاء إلى جمهورية مصر العربية باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي العربي، ودولة ذات ثقل تاريخي وجيو-استراتيجي مهم في المنطقة.
والعلاقات بين صنعاء والقاهرة لها أبعاد تاريخية عميقة، ويجمع الشعبين اليمني والمصري رابط قومي وديني ومصيري، كما أن كثيرًا من التحديات والمخاطر التي تهدد مصر لها امتدادات وتأثيرات مباشرة على اليمن والمنطقة.
ونحن نثمن لمصر عدم الانخراط المباشر في المستنقع اليمني، واستمرار احتفاظها بموقف متوازن يدعو إلى الحل السياسي والحفاظ على وحدة اليمن، رغم مشاركتها الشكلية في التحالف عام 2015.
ونأمل أن يكون لمصر دور عربي فاعل في الحل، ونحن نرحب بأي دور مصري دبلوماسي وسياسي يتسم بالحياد والمسؤولية، ويسهم في إنهاء الحرب ورفع الحصار ورعاية حوار سياسي يمني جامع، بعيدًا عن التدخل والوصاية الخارجية.
كما نؤكد للأشقاء في القاهرة أن عملياتنا في البحر الأحمر وباب المندب ليست موجهة ضد أي بلد عربي، بما في ذلك مصر، وإنما تأتي في إطار الضغط على السعودية لرفع الحصار عن اليمن، وفق معادلة الحصار بالحصار.
ونحن نكن للشعب المصري الشقيق كل الحب والاحترام. لقد تعلمنا على أيدي المعلمين المصريين، ولا نزال نحتفظ بذكرياتهم وأسمائهم ومواقفهم معنا منذ المراحل الدراسية الأولى، وهي روابط إنسانية وتاريخية عميقة بين الشعبين.


